الصالح نيوز : كيف أصبح الجناح التقليدي سلاحًا لفك شفرات الدفاع؟ دوكو وساكا نموذجًا

الصالح نيوز : كيف أصبح الجناح التقليدي سلاحًا لفك شفرات الدفاع؟ دوكو وساكا نموذجًا
تشهد كرة القدم الحديثة عودة ملحوظة لدور الجناح التقليدي، الذي يلتزم باللعب على الأطراف وتوسيع الملعب لإجبار الدفاعات المتنافسة على التحرك وترك المساحات في العمق، في اتجاه تكتيكي يعكس حاجة الفرق الكبرى لحلول مختلفة لاختراق الكتل الدفاعية المنظمة.
عودة الجناح التقليدي.. كيف أصبح سلاحاً بالغاً لفك رموز الدفاع؟
التمريرات القصيرة والاستحواذ المستمر لم تعد كافية وحدها لضمان الوصول إلى المرمى، إذ تحتاج الفرق الآن إلى لاعبين لديهم القدرة على مواجهة المدافعين في مواقف فردية، وتغيير إيقاع الهجمات، وخلق المساحة لزملائهم، وهو ما يفسر الأهمية المتزايدة لأسماء مثل جيريمي دوكو وأنتوني جوردون وبوكايو ساكا.
دوكو يقلب موازين القوى في المواجهة بين ليفربول ومانشستر سيتي
وقدمت المواجهة بين مانشستر سيتي وليفربول، التي أقيمت يوم 11 أكتوبر الجاري على ملعب أنفيلد، مثالا واضحا على تأثير الجناح القادر على تغيير شكل المباراة بمهاراته الفردية.
وبحسب التقرير المنشور على موقع “تريبونا”، فإن البلجيكي جيريمي دوكو شارك كبديل، وساهم في قلب المواجهة التي انتهت بفوز مانشستر سيتي بنتيجة 3-0، بعد أن شارك في صناعة الهدف الأول وإحراز الهدف الثاني بنفسه.
وخلال 34 دقيقة، حاول دوكو المراوغة خمس مرات، وخلق فرصتين وسدد مرتين، مستفيدا من قدرته على استلام الكرة في النهاية ومواجهة الظهير مباشرة.
ورغم أن طرد رايان جرافينبيرج أثر على مجريات المباراة ومنح مانشستر سيتي أفضلية عددية، إلا أن وجود دوكو أضاف حلا هجوميا مهما وهو استغلال المساحات وإرغام المدافع على اتخاذ قرار سريع بين التقدم لمواجهته أو التراجع لحماية منطقة الجزاء.
تكمن أهمية هذا النوع من الجناح في أنه لا يحتاج إلى سلسلة طويلة من التمريرات لخلق الخطورة. قد تجبر مراوغة واحدة ناجحة لاعبًا إضافيًا على التحرك نحو الجناح، مما يخلق مساحة جديدة للاعبي الوسط والمهاجمين.
لماذا أصبحت توسعة الملعب ضرورة تكتيكية؟
تعتمد العديد من الفرق على تضييق المساحات أمام منطقة الجزاء، من خلال تقريب قلب الدفاع وتمركز لاعبي الوسط لإغلاق ممرات التمرير، مع تحرك الظهيرين للداخل للمساعدة في حماية المناطق الأكثر خطورة.
لكن الجناح الذي يحافظ على مركزه بالقرب من خط التماس يعرض الدفاع لمعضلة تكتيكية. إذا بقي الظهير قريباً من قلبي الدفاع، يحصل الجناح على مساحة للاستقبال والمراوغة، وإذا خرج لمواجهته تظهر فجوة يمكن استغلالها في العمق.
أهمية الجناح لا تتوقف عند لمس الكرة، بل تبدأ أحياناً قبل ذلك، لأن تمركزه يجبر الخصم على توزيع لاعبيه بشكل مختلف، ويمنح فريقه خيارات إضافية للتقدم وخلق الفرص.
لكن التمركز على الأطراف وحده لا يكفي، إذ يجب أن يتمتع اللاعب بالقدرة على تمرير خصمه أو تهديد المرمى أو تمرير الكرة إلى زميل في مركز أفضل، ليتحول العرض من مجرد شكل تكتيكي إلى خطر حقيقي.
أنتوني جوردون يمنح برشلونة تهديدًا جديدًا من الجهة اليسرى
يمثل أنتوني جوردون نموذجًا مختلفًا للجناح الحديث، حيث يجمع بين الالتزام باللعب على نطاق واسع والقدرة على التحرك في العمق وإنهاء الهجمات.
وبحسب التقرير، سجل جوردون هدفًا في فوز برشلونة 3-0 على خيتافي في 10 أكتوبر، قبل أن يسجل مرة أخرى في الفوز 4-1 على غلطة سراي في دوري أبطال أوروبا بعد ثلاثة أيام.
وتظهر أهمية هذا الدور في ظل وجود تهديد هجومي من الجانبين، بدلا من الاعتماد على لامين يامال وحده لخلق الخطورة من الجهة اليمنى. وعندما ينجح يامال في لفت انتباه المدافعين، يستطيع الجناح المقابل استغلال المساحات المتاحة والتحرك نحو منطقة الجزاء، مما يزيد من صعوبة مهمة الخصم في مراقبة كافة مصادر التهديد.
الحفاظ على العرض لا يعني بقاء الجناح بعيدًا عن المرمى طوال فترة الهجوم، بل يتغير دوره وفقًا لموقع الكرة؛ وقد يبدأ بتحريك الدفاع نحو النهاية، ثم يتحرك للداخل عندما تكون هناك فرصة لإنهاء الهجمة.
ساكا: الجناح المتخصص ليس لاعباً يقوم بمهمة واحدة
بوكايو ساكا يقدم مثالا لجناح قادر على اللعب على الخط والذي لا يتعارض دوره مع التمريرات القصيرة والحركات المركبة.
وبحسب التقرير، ساهم ساكا في فوز أرسنال على ليل بنتيجة 3-0، بعدما صنع هدفا لإيبيري إيزي، ثم سجل بنفسه بعد تبادل التمريرات مع مارتن أوديجارد وكاي هافرتز حول منطقة الجزاء.
توضح هذه التحركات أن الجناح الحديث لا يعتمد بالضرورة على تجاوز الظهير ثم إرسال عرضية. بل يمكنه الدخول إلى العمق، أو التعاون مع لاعبي خط الوسط، أو فتح مساحة أمام الظهير المتقدم، أو الوصول إلى منطقة الجزاء لإنهاء الهجمة.
لكن امتلاك القدرة على تهديد الخصم من الخارج يمنح هذه التحركات قيمة إضافية، لأن المدافع يصبح مطالبا بمراقبة أكثر من خيار في نفس الوقت.
الظهير العكسي يعيد الجناح التقليدي
أصبح انتقال الظهير إلى خط الوسط أثناء الاستحواذ جزءًا من تكتيكات العديد من الفرق الكبرى، بهدف زيادة التفوق العددي في خط الوسط وتحسين التحكم في الكرة.
إلا أن هذه الحركة تجبر الفريق على الحفاظ على الاتساع الهجومي من خلال لاعب آخر، وهنا تبرز أهمية الجناح التقليدي الذي يلتصق بالجناح ويجبر دفاع المنافس على الانتشار.
إذا تحرك الجناح في العمق بالتزامن مع دخول الظهير إلى الوسط، فمن الممكن أن تتجمع عناصر الهجوم في مساحة واحدة، مما يسهل مهمة الدفاع في إغلاق المساحات.
وجود جناح قادر على تثبيت ظهير الخصم بالقرب من الخط الجانبي يمنح لاعبي الوسط والمهاجمين مساحة أكبر للتنقل بين الخطوط، ويتيح للفريق تنويع طرق الوصول إلى المرمى.
التبديل السريع بين الجوانب…سلاح إضافي
لا تقتصر قيمة الأجنحة المتخصصة على المراوغة أو العرضية، بل تمتد إلى قدرتهم على استغلال الانتقالات السريعة للكرة من جانب إلى آخر.
عندما يركز الخصم دفاعه على جهة واحدة، يمكن لتمريرة طويلة أو سلسلة من التمريرات السريعة أن تحول اللعب إلى الجهة المقابلة، حيث يجد الجناح فرصة لمواجهة المدافع دون دعم فوري.
وتزداد فعالية هذا الأسلوب عندما يصبح لدى اللاعب القدرة على السيطرة على الكرة والتحرك بسرعة واتخاذ القرار المناسب قبل أن يستعيد الدفاع مكانته.
وبذلك تصبح المراوغة جزءاً من منظومة جماعية متكاملة، حيث يعمل الفريق على خلق المواجهة الفردية المناسبة، بينما يستغلها الجناح في خلق الفرص أو فتح المساحات لزملائه.
مخاطر لا يمكن تجاهلها مع عودة الجناح التقليدي
ورغم الفوائد التكتيكية، إلا أن الاعتماد على الأجنحة الذين يميلون إلى المراوغة يحمل بعض المخاطر أبرزها فقدان الكرة في مناطق قد تسمح للخصم بتنفيذ هجمات مرتدة سريعة.
وتزداد هذه الخطورة إذا تقدم الظهيران معًا وتحرك لاعبو الوسط للأمام دون غطاء دفاعي مناسب.
لذلك، يحتاج الجناح إلى دعم قريب من لاعب الوسط، ويجب على باقي أعضاء الفريق الاستعداد لاحتمال فقدان الكرة، والحفاظ على التوازن بين الرغبة في الهجوم وتأمين المناطق الخلفية.
عودة الجناح التقليدي لا تعني تراجعاً في أهمية الاستحواذ والتمريرات القصيرة، بل تعكس وعي الفرق الكبرى بأن اللعب الجماعي يتطلب لاعباً قادراً على كسر التنظيم الدفاعي عندما تضيق المساحات.
يجسد دوكو وجوردون وساكا نماذج مختلفة لهذا الدور؛ يعتمد الأول على المراوغة والجري، والثاني يجمع بين الاتساع والحركة نحو المرمى، بينما يقدم الثالث مزيجًا من المهارات الفردية والتعاون الجماعي.
في النهاية، الحل لا يكمن في الاختيار بين اللعب على الأطراف والهجوم من العمق، بل في الجمع بينهما، بحيث يجبر الجناح الدفاع على التوسع، ويستغل زملاءه المساحات الناتجة.
إنها عودة إلى أحد المبادئ الكلاسيكية لكرة القدم، ولكن مع أدوات حديثة تجعل من الجناح المتخصص عنصرًا أساسيًا في فك رموز الدفاعات المنظمة.




